في خطوة تكشف عن حالة الرعب التي يعيشها الحوثيون من انفجار غضب شعبي واسع، أقدمت سلطاتهم في مدينة إب مركز المحافظة التي تحمل الإسم ذاته، على إجبار أسرة فقيد الجوع ياسر أحمد صالح البكار، الذي توفي جوعًا أمس الأربعاء على أحد الأرصفة، على التوقيع بأن وفاته “طبيعية”، في محاولة مكشوفة لطمس الحقيقة والتغطية على الكارثة الإنسانية التي يعيشها اليمنيون تحت حكمهم.
مصادر محلية أكدت أن الضغوط على أسرة البكار جاءت بعد موجة الغضب العارمة التي اجتاحت الشارع اليمني عقب انتشار قصة وفاته بجوار طفله الصغير، ما أثار مخاوف حوثية من أن تكون هذه الحادثة الشرارة الأولى لثورة جياع تهز معاقلهم.
وبحسب وثيقة رسمية، فقد أُلزمت زوجة البكار وأقاربه بالتوقيع على عريضة تنص على أن وفاته كانت “قضاءً وقدرًا”، وهو ما اعتبره ناشطون محاولة بائسة من الحوثيين لإنكار مسؤوليتهم عن سياسة التجويع الممنهج التي دفعت المواطنين إلى حافة الموت.
ومع استمرار هذه الجرائم، يتساءل النشطاء: إلى متى سيظل الحوثيون يخفون ضحايا الجوع والفقر بالقوة؟ ومتى سيأتي اليوم الذي تنفجر فيه ثورة الجياع ضد من أوصلوهم إلى هذه المأساة؟
وكان المشهد الذي أبكى القلوب وأشعل الغضب في الشارع اليمني، لحظة مفارقة المواطن البكار الحياة جوعًا وهو يتناول لقيمات من الخبز وحبة زبادي بجوار طفله الصغير، على رصيف في أحد شوارع مدينة إب الخاضعة لسيطرة الحوثيين، حيث انهارت حياته كما انهار اقتصاد اليمن تحت وطأة الفقر والجوع والنهب.
و لم يدرك الطفل الصغير أن والده، الذي جلس معه يتناول وجبتهما البسيطة، لن ينهض مرة أخرى. ظل هناك، ينتظر أن يصحو والده، متمسكًا بعصيره ليقدمه له حين يستيقظ، لكنه لم يكن يعلم أن والده قد رحل بلا عودة، وأنه الآن وحيد في عالم صنعته الحرب والجوع والحرمان.
و منذ أكثر من عشر سنوات، ومنذ أن انقلبت المليشيات الحوثية على الدولة، حولت حياة اليمنيين إلى جحيمٍ لا يطاق. فقد تم تجويع الشعب، نهب الموارد، فرض الجبايات، ومصادرة لقمة العيش لصالح تمويل مشاريع إيران وحزب الله، بينما يعيش ملايين اليمنيين تحت خط الفقر، بلا رواتب، بلا غذاء، بلا أمل.
الحرب الاقتصادية التي تشنها مليشيا الحوثي على اليمنيين قتلت أكثر مما قتلت الرصاصات والقذائف. فقد دمرت الاقتصاد، دمرت القطاع الخاص، نهبت البنوك، وأوصلت العملة الوطنية إلى الانهيار، حتى بات المواطن اليمني يموت جوعًا في شوارع بلده، دون أن يجد من ينقذه.
الضحية الراحل، ياسر أحمد صالح البكار، أبٌ لأربعة أطفال، كان يعاني من المرض والفقر المدقع، لكنه كان يخرج يوميًا يبحث عن قوت أسرته. لم يجد أكثر من حبة زبادي وخبزٍ ناشف ليأكله مع ابنه على الرصيف، قبل أن يخطفه الموت أمام عيني طفله، الذي لم يفهم بعد أن والده غادر إلى الأبد.
المشهد ازداد قهرًا حينما حاول العاقل المسؤول عن المنطقة مواساة الطفل الصغير وأعطاه كيكًا وعصيرًا، فقال الطفل “أنا أكل الكيك، والعصير أتركه لأبي حين يصحو”.

